تازة: حارسة الممر الملعون عبر التاريخ
توجد مدن خُلقت للحياة، وأخرى للتجارة، وثالثة للعبادة… لكن تازة لم تُخلق لشيء من ذلك فقط، بل وُجدت لتكون حارسة. حارسة الممر الوحيد الذي يربط شرق المغرب بغربه، ذلك الممر الذي شكّل عبر القرون شريانًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه.
من يسيطر على تازة، يفرض سيطرته على الطريق المؤدي إلى قلب المغرب وفاس. ولهذا لم تعرف هذه المدينة السكينة منذ نشأتها، بل عاشت تاريخًا متواصلًا من الصراع والحروب.
مدينة وُلدت على وقع المعارك
منذ القدم، لم تكن تازة مدينة عادية، بل بدأت كحصن صغير في موقع لا يسمح بالحياد. كانت دائمًا في حالة ترقّب: تراقب السماء خوفًا من الغزاة، وتراقب الأرض انتظارًا للجيوش. لم تكن تنظر إلى البحر أو المطر، بل إلى الشرق والغرب معًا، حيث يمر الطامعون.
![]() |
| تازة: حارسة الممر الملعون |
لم يكن ممكنًا لأي قوة أن تصل إلى فاس دون أن تمر من تازة. ولهذا اصطدم بها:
المرابطون
الموحدون
المرينيون
السعديون
العلويون
وكل من حكم فاس أو مراكش، كان عليه أولًا أن يُخضع تازة.
تازة المرينية: القلعة التي لا تُخترق
في العصر المريني، بلغت تازة ذروة قوتها. أُحيطت بأسوار شاهقة وأبراج منيعة، وشُيّد بها الجامع الكبير الذي لم يكن فقط مكانًا للعبادة، بل رمزًا للقوة والشرعية.
حتى الصلاة في تازة كانت جزءًا من معادلة الدفاع، فالمسجد كان آخر خطوط الصمود.
مدينة تُنهك الغزاة
لم تكن تازة مدينة تُفتح بسهولة. كم من جيش عبرها منهكًا، وكم من سلطان خرج منها أقوى أو سقط بسببها. كلما ضعفت السلطة في فاس أو مراكش، رفعت تازة رأسها، مستغلة موقعها كنقطة انطلاق للتمرد أو الحسم.
حتى في فترات الفوضى، مثل ثورة بوحمارة في مطلع القرن العشرين، لعبت تازة دورًا محوريًا، فكانت مرة أخرى بوابة العبور نحو السلطة أو السقوط.
الاستعمار والانقسام
عندما دخل الاستعمار الفرنسي، أدرك سريعًا أن السيطرة على المغرب تبدأ من تازة. فحوّلها إلى قاعدة عسكرية مركزية، وقسّمها إلى:
تازة العليا (التاريخية)
تازة السفلى (الحديثة)
فبدا وكأن المدينة انقسمت جسديًا، لكنها احتفظت بروح واحدة: روح الحراسة.
تازة اليوم: مدينة لا تنسى دورها
عند زيارة تازة اليوم، يشعر الزائر بثقل التاريخ. مدينة صامتة، لكنها ليست ضعيفة. أسوارها ما تزال تراقب، وأزقتها تهمس بقصص الحروب، وكأنها ترفض أن تنسى مهمتها الأولى.
تازة ليست مدينة سياحية صاخبة، ولا عاصمة سياسية، لكنها مدينة القدر الجغرافي؛ مكان لا يختار دوره، بل يُفرض عليه.
خاتمة
تازة ليست أسطورة ولا مدينة حالمة، بل مدينة واقعية، قاسية أحيانًا، صامدة دائمًا.
إنها الحارس الذي لم يُعفَ من مهمته، والمدينة التي تعرف أن السلام قد يكون مؤقتًا… لأن من يمر من هنا، لا يمر عبثًا.

إرسال تعليق
هل أعجبك المقال؟
شاركنا رأيك في التعليقات! نسعد بقراءتها ونتفاعل مع كل الآراء والمقترحات.
إذا كانت لديك تجربة مماثلة أو معلومات إضافية، فلا تتردد في مشاركتها معنا.